ابن عربي
36
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
لقد صار قلبي قابلا كل صورة . كما قال الآخر ما سمي القلب إلا من تقلبه فهو يتنوع بتنوع الواردات عليه ، وتنوع الواردات بتنوع أحواله ، وتنوع أحواله لتنوع التجليات الإلهية لسره وهو الذي كنّى عنه الشرع بالتحول والتبدل في الصور ، ثم قال : فمرعى لغزلان أي إذا وصفناه بالمرعى كنينا عن السارحين فيه بالغزلان دون غيرهم من الحيوانات لأنّ كلامنا بلسان الهوى وبالغزلان يقع التشبيه بالأحبة للمحبين في هذا اللسان ولا شك أن عين الفرس سوداء متسعة ، ولكن ما وقع التشبيه إلا بعين الغزلان وقوله : ودير لرهبان يقول : إذا جعلناهم رهبانا من الرهبانية جعلنا القلب ديرا للمناسبة لأنه منزل الرهبان وموضع إقامتهم . [ القلب موضع الحقائق المطلوبة للبشر ] وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن يقول : وهذا القلب صورة بيت الأوثان لما كانت الحقائق المطلوبة للبشر قائمة به التي يعبدون اللّه من أجلها ، فسمى ذلك أوثانا ولما كانت الأرواح العلوية حافين بقلبه سمى قلبه كعبة وهي الأرواح المذكورة له إذا مسّه طائف من الشيطان ، فهن أصحاب الملمات الملكية ولما حصل من العلوم الموسوية العبرانية جعل قلبه ألواحا لها ، ولما ورث من المعارف المحمدية الكمالية جعلها متحفا وأقامها مقام القرآن لما حصل له من مقام « أوتيت جوامع الكلم » « 1 » ثم قال : [ لزوم اتباع أوامر الشرع واجتناب نواهيه ] أدين بدين الحبّ أنّى توجهت * ركائبه فالدين « 2 » ديني وإيماني يشير إلى قوله : فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] فلهذا سماه دين الحب ودان به ليتلقى تكليفات محبوبه بالقبول والرضى والمحبة ورفع المشقة والكلفة فيها بأي وجه كانت ولذا قال : أنى توجهت أي آية سلكت مما يرضا ولا يرضى فهي كلها مرضية عندنا ، وقوله : فالدين ديني وإيماني أي ما ثم دين أعلى من دين قام على المحبة والشوق لمن أدين له به وأمر به على غيب وهذا مخصوص بالمحمديين فإنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم له من بين سائر الأنبياء مقام المحبة بكمالها مع أنه صفي ونجيّ وخليل وغير ذلك من معاني مقامات الأنبياء وزاد عليهم أنّ اللّه اتخذه حبيبا أي محبا محبوبا وورثته على منهاجه . [ ضربه المثل بالمحبين من العرب واختلاف حالات الحب ] لنا أسوة في بشر هند وأختها * وقيس وليلى ثمّ ميّ وغيلان ذكر المحبين في عالم الكون المهيمين بعشق المخدرات في الصور من الأعراب
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصحيح ( المساجد 7 ، 8 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 259 ، 314 ، 442 ، 501 ) ، وابن كثير في ( التفسير 4 / 72 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 113 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 32068 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 14 ، 308 ) ، وابن أبي شيبة في ( المصنف 11 / 480 ) ، وأبو نعيم في ( دلائل النبوة 1 / 14 ) ، وسعيد بن منصور في السنن 2862 ) . ( 2 ) في نسخة أخرى : فالحب .